الأربعاء، 11 يناير 2012

فقد دانت لهم السيطرة


 إذا سلمنا أن حقيقة الأمور يكون لها ثلاثة أبعاد تراها العين المجردة، فإذا كُشف عما وراءها أدركت البصيرة البعد الرابع لها، إلا أنه تظل أمور أكثر تعقيداً، متداخلة ومتشابكة أبعادها، وبالتالي يصعب إدراكها وتحديدها والتحكم فيها أو التمكن من خلالها،

وقد يصعب أن يحالفك الحظ دائماً لإدراك الحقائق كاملة، إلا أنه تظل أمور واضحة الدلائل، بادية كالشمس في ربوع النهار، لا يخالطها سحب أو غيوم، وقد لا تجد ذلك إلا إذا كنت ذا فكر وبصيرة وتتصرف بالحكمة في مواطن الشبهات وهذه ببساطة هى أدوات التحكم التي يمتلكها عقلك وتصفوا عليها روحك، هي أدوات السيطرة التي تمتلكها والتي لا تسلب منك إلا إذا خالطها شيئين، "الخوف والغضب"، لأن الخوف يشل الروح ، والغضب يعطل إبداع العقل، ويذهب بالحكمة، والخوف والغضب شعوران، كفيل أحدهما أن يُفقدك التحكم على نفسك، وهو ما يجعل السيطرة حينها تدنوا للخصوم، ليتحكموا فيك وبسهولة وكيفما أرادوا.

لذلك كانت "السيطرة على النفس" هي الدرس الذي علمه الإنسان المصري للعالم كله يوم الثلاثاء 25 يناير 2011، يومها خرج الشباب ومن ورائهم الشعب وهم واثقون بأنفسهم بلا خوف لكن بغضب ، وبغضب متحكم فيه بصورة جعلت قوات حفظ النظام تفقد السيطرة التامة على نفسها، حتى تفلت زمام السيطرة منهم إلى المعدن البشري المصري الأصيل برايته البيضاء "سلمية سلمية" ، وقد كانت المطالب يومها موحدة وهتف الشعب بها وغزوا الميادين برجالهم ونساءهم وأطفالهم وحضروا بأجسادهم وطافوا على الشوارع بقلوبهم وأرواحهم، وبهدوء نفس شديد رفع سقف المطالب من مظاهرة ضد عنفوان الشرطة في عيدهم المجيد إلى سقوط رأس الأفعى ومن وراءه نظامه البغيض ،

ومرت الأيام والليالي ثم الشهور، وقد اشترى البعض مصالحه بعد خروجه من القبور، إلا أن المشاهد والمواقف للنظام تزداد نفوذاً ونفور، فتحرك البعض الآخر بغضب وثار، على ما أعد لهم من مكامن وأشرار، لكن كان تحركهم بلا تحكم بلا تمسك بـ "سلمية سلمية"، فوقع مصابين وشهداء أكثر من 25 يناير، وطال الباقين منهم التهم والسحل والسجن لأنهم غضبوا مع سبق التراشق بالحجارة، فوقعوا دون إدراك في الفخ.

ثم ها هو الزمان يأتي بيوم الأربعاء 25 يناير 2012، فاليوم اسمه واحد ليعطى الأمل للجميع بعد أن ترسخ في الأفق أن إرادة الشعب هي التي تخلع العروش وتزلزل الأركان، لكن الظروف اختلفت والوحدة تفككت والبصيرة ضعفت والظلم قد عاد ، فكيف ستحقق أهداف الثورة ، كيف يتغلب على الخوف وكيف يحكم الغضب، لهذا وجب السؤال المهم، وهو: على أي شيئ ستثور جموع الشعب؟ وهل هو تجدد للثورة أم يوم للذكرى ؟

فليس اليوم كالبارحة، فالأمس ثقلت فيه موازين السيئات وطفح الكيل فانفجر الناس، أما اليوم كثرت فيه الموازين وأصبح لكل قوم ميزان ومكيال، ومن وراء الكواليس ظهر البُعد الرابع واكتشف أن شريك الأمس خصم اليوم ولديه ألاعيبه وقانونه وفلوله، فكيف ستصمد بـ "سلمية سلمية" إذا دس بينك البلطجية ؟

فهل لدى الثوار من مخرج بديل؟ هل لهم أن يذكروا الشعب بآمالهم وأحلامهم، وأن الثورة لا تزال سلمية سلمية ، حتى لو فعل بها الأفاعيل، وأن الثورة هي الغد المشرق لنا ولأولادنا من بعدنا، هي أمل للحلم الجميل، هى الطهارة لأنها تطالب بإقامة العدل لا مجرد تحقيقه وبإكرام الفقير لا مجرد تسكيته وببناء إنسان كريم لا تشتيته، هي تعني أنه سيُرحم الضعيف ويُرفع الظلم ويُحاكم الجاني ......... ثم تنهض الحضارة ،

تلك الحضارة التي تعلم الدنيا وتقول للملوك باختصار: " أن الظلم إذا بات قانوناً فإن الثورة تصبح واجبة، فإذا تمسكتم بعروشكم فقد دانت حقاً لشعبكم السيطرة " ....

كتبتها في 8/1/2012

الاثنين، 9 يناير 2012

أكتب إلى الشيخ عماد عفت : الشهادة ثمنها غالي وطلبها سهل !!


اعظم شيئ يضحى به الإنسان على وجه الإطلاق هو أن يضحي بنفسه ، خاصة لما يكون جميع ما في الدنيا يدعوك بل يجبرك أحياناً بالتمسك بالحياه والعيش فيها، فمن الممكن أن تعدك الدنيا بغدٍ أفضل أو رزق مترقب، وقد ترغمك بنظرة الشفقة التي تراها في أعين والديك وخوفهم عليك، أو نظرة الفرح التي تراها في الحبيب والصديق وشريك الحياه، وقد تكون جبلت على السراع مع الحياه من أجل نظرة أولادك حين يرمقوك عن قرب وبعد ويروه فيك مستقبلهم وكرامتهم وسعادتهم التي أنت ملزم بتوفيرها لهم .....

ومع كل هذا تترك العواطف والحنين والآنين وراء ظهرك، وتتجه نحو هدف واحد، هدف خالص، نحو الشهادة، وبينما وأنت في شغفك إليها ومتطلع لها ، تسمع صوت ينادى عليك يقول لك حرام عليك ، حاتضيع نفسك ، علشان إيه بتعمل كده ، احنا محتاجين لك ، لا تكن أناني ، من لأولادك من بعدك ، لكن هذا الصوت لا يلهيك وأنت تتجه بقرب نحو هدفك.

تعلم أن هناك خيط رفيع بين الشهادة والانتحار، بين الشهادة والخلاص من العيشة وإبتلائتها، تعلم أن الشهادة تضحية بالنفس من أجل نفع الناس جميعاً، وأنها مفارقة الحياه الدنيا من أجل حياه الآخرين في سلام وسعادة وفخر ..

تسأله لماذا تضحي بنفسك بكل هذه البساطة ، فينظر إليك وهو يتبسم ولا يجيب ، فتدور في رأسك إجابات عديده للرد على نفسك، منها أنه لربما يشتم رائحة الجنة فشغلته عن إجابتك، أو أنه لا يشعر بألم الشهادة إلا كقرصة بعوضة، أو أنه متجه نحو النعيم الخالد، ومن أوفى الأبواب ويلتقي بالصالحين والحور العين، ولا يخشى على أهله لأنه سيشفع لسبعين منهم، ولربما هو مشغول عند الشهادة بإستقبال الملائكة له وهم يحيوه ويتلقوه بقولهم لا تخاف على أولادك وأهلك وأحبائك "نحن أوليائهم في الحياه الدنيا وفي الأخرة" ..

حينها تدرك أن الشهادة ثمنها غالي لا يؤتاها إلا من اختاره الرحمن لها ووفقه إليها، فترفع يدك إليه سبحانه وتدعوه " اللهم إني أسالك الشهادة في سبيلك " فيجاب عليك " من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه".

اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك ....

كتبتها في 28/12/2011

الـ "أنا" وأعوذ بالله من الأنانية



عنوان المقال مقصود، لأنه ليس كل من يتعوذ من كلمة "أنا" فقد سلم من الأنانية وإعتلاء الذات وتفضيل النفس على الغير، فلك ان تقول "أنا" كيف ما شئت ، لكن لا ترينا أنانيتك وحبك لذاتك، لا ترينا غرورك ونكرانك للجميل وتهميشك للمعروف ..

كثيراً ما تعجبني مقولة " أنا لست بأفضل منك"، " أنا لا استحق"، "أنا بدونك لا شيئ" لأنها جمل صادقة تعبر عما تكنه النفس من تواضع وعرفان بالفضل ، لكن شتان بينها وبين قرينتها المفضوحة " أنا متواضع " و" أنا برئ " و" أنا لها "  لأنك تشم منها رائحة التجمل والبروز والأضواء ..

وبلا ريب تجد أن الكلمات والألفاظ التي تخرج من أفواهنا تعكس مكنونات شخصيتنا التي لا نكتشفها إلا إذا صدمتنا النصيحة الحية من قلب مخلص أو إذا فوجئنا بأننا فقدنا ود الآخرين جراء تصرفاتنا أو بشاعتنا، أو إذا - سامحنا الله – حاسبنا أنفسنا حساباً عسيراً، لذلك ليست الأهمية في أن تراقب ألفاظك وكلماتك وتعبيراتك بقدر ما تتطلبه من مراجعة سلامة قلبك وصفاء روحك وصحة معتقداتك وأفكارك ونزاهة اتجهاتك.  
    
فضلاً عن كل ذلك، فقد لا تظهر الـ "أنا" في كلامنا، لكنها تقفز من وراء كواليس شخصيتنا بالإيماءات والنظرات للآخرين وحكمنا على الأمور، وتصنيفنا للبشر، واختزالنا للخير وللعلم والمنافع والمصالح فيما نراه "نحن" فقط . .

ومع احترامي لـ "نحن"  لكنها عقول قاصرة النظر لرباعي الأبعاد، و ناقصة الإدراك عن شمول المفاهيم، وهي حقيقتنا التي لم نعرفها بعد . .

. . "والله يعلم وانتم لا تعلمون"